✥ أحد حاملات الطيب: شهود القيامة
“من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر”. يخصص الأحد الثاني من بعد القيامة لحاملات الطيب وهنّ : 1- مريم المجدليّة: هي التي طرد منها الرّبّ يسوع سبعة شياطين. -2 سالومة: هي زوجة زبدى وأم يوحنا اللاهوتي والرسول يعقوب. -3 حنّة: هي إمرأة شوذا الذي كان مدبّر منزل الملك هيرودس أنتيباس. -4 مريم ومرتا: هما أخوات لعازر الذي أقامه الرّبّ يسوع من بين الأموات بعد أربعة أيام. -5 مريم: هي زوجة كليوبا. -6 سوزانا: المعروفة بسوسنة. ونساء أخريات غير معروفات بالأسماء ولكن هذا يشير على جماعة كبيرة من النساء كن يلتفّن حول العذراء مريم. وأيضاً لتلميذ المسيح بالخفاء أي يوسف الرامي، ولنيقوديموس الفريسي (يو1:3-21)، الذين يشهدون لقيامة المسيح. هؤلاء القديسون، الذين نقيم تذكارهم اليوم، يظهرون لنا جوهر وقوة الإيمان والرابط المنطقي والاجتماعي بين الله والإنسان من خلال دورهم الإيماني بالقائم من بين الأموات.
معنى الإيمان: الإيمان هو ثمرة الروح القدس، وهو حضور المؤمن أمام الله وسكنى الله في المؤمن، وهو نتيجة العمل بين الله والإنسان، بواسطته نولد من جديد وبه نتحد مع المسيح، ونصير شركاء لطبيعته الإلهية البشرية أي “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط 4:1). بالإيمان بيسوع المسيح، الذي هو بداية اتصالنا واتحادنا بالله، نستطيع أن نشهد لقيامته وأن نرفع الحجر الذي يمنعنا عن الحياة، كما فعل الملاك عندما دحرج الحجر عن قبر السيد ليخرج المسيح القائم، فنزيل كل مصاعب وآلام الحياة بواسطة هذا الإيمان، أي الحياة القيامية بعد الموت.
ماذا يطلب الله منا؟: تبشر الكنيسةُ، اليوم، العالمَ عن وجود الله الحيّ وعن تحقيق ملكوت الله، حقيقةً، بالقيامة. الله رحوم ومحب وغفور لخطايانا، وبسبب محبته الكبيرة للإنسان حطم أبواب الجحيم وخرج كي نرى نوره وجمال بهائه. الله لا يطلب منا سوى الإيمان به وأن نلّبي دعوته لنا لنكون من أهل القيامة، أي أبناءً له، هو يريد أن يخلّص الإنسان وينقذه من الفساد والضياع وينتشله بيده كما انتشل آدم وحواء من الجحيم. والإنسان الذي يتغلّب على خوف الموت يصبح شاهداً على قيامة يسوع المسيح وبإمكانه أن يلبي دعوةَ الملكوت مستحقاً. عمل الملاك عند لقائه بحاملات الطيب، في بادئ الأمر، على أن يزيل الخوف من قلوبهم، وبعد إزالة الخوف بكلامه وظهوره أمامهم قال لهم: “لا تندهشن، انتنّ تطلبن يسوع الناصري المصلوب”، هو لم يخجل من القول عنه بالمصلوب لأنه كلّي الصلاح وقد “قام”، وعندها خرج النسوة وقد أخذتهنّ الرعدة والخوف والفرح لأنهن وجدنَ القبر فارغاً رغم رؤيتهنّ للمسيح وهو يدفن فيه.
أناس قياميون وحاملو طيب: صعوبة الأمر في حياتنا المعاصرة أن نشترك في حياة السيد المسيح ليكون هو حياتنا ” لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبها بموته” (فل10:3)، وأن نكون نحن حاملي الطيب، لأن حاملات الطيب لسنَ فقط النساء اللواتي ذهبنَ ليطيبن جسد يسوع لكن كل الطبيعة البشرية وخصوصاً هؤلاء الذين يعيشون وسط الكنيسة، وعندها يسمعون، رغم مصاعب الحياة، من المسيح القائم “السلام لجميعكم” المسيح قام. أما نحن الذين نؤمن بقيامة المسيح فلنُبشّر بها بحياتنا المسيحية الحقّة، حياة الإيمان والمحبة، وكلما انتصرنا على عوامل الموت، الخطيئة، وشملنا قريبنا بالحنان والعطف والمحبة فهكذا نقوم مع المسيح ونشهد لحقيقة قيامته.
اذن، من هن حاملات الطيب؟
حاملات الطيب كنّ كثيرات، إذ نساء كثر كنّ يخدمن المسيح وتلاميذه من أموالهنّ.
يذكر متى الإنجيلي: ”وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه“ (متى ٥٥:٢٧)، إلّا أن الإنجيليين ذكروا المشهورات منهنّ فقط:
- مريم المجدلية
- صالومي: هي ابنة يوسف الخطيب التي كان زوجها زبدي التي منها وُلد يوحنا الإنجيلي ويعقوب.ويذكر أن يوسف أولد أربعة أولاد ذكور
وهم يعقوب المدعو الصغير ويوسى وسمعان ويهوذا وثلاث بنات استير وثامر وصالومي امرأة زبدي.
- يونا: هي امرأة خوزي الذي كان وكيل وقهرمان هيردوس الملك.
- مريم ومرثا أختا لعازر.
- مريم التي لكلاوبا وأناس يدعونه كلوبان.
- سوسنا.
- مريم أم يعقوب الصغير ويوسي.
مريم الأخرى.
شرح حول مريم الأخرى ومريم أم يعقوب ويوسي:
يذكر التسليم الكنسي παράδοση أن مريم الأخرى هي والدة الإله وقد ظهر لها الرّب القائم أوّلًا.
يظهر هذا التسليم بقوّة في شروحات الآباء القدّيسين: غريغوريوس النيصصي، يوحنا الذهبي الفم، افسافيوس الإسكندري، انسطاسيوس السينائي، سمعان المترجم، غريغوريوس بالاماس، نيقودمس الأثوسي وغيرهم, وأيّضًا في ترانيم الكنيسة في الليتورجية فتقول:
- إن القوات الملائكيّة ظهروا على قبرك الموقّر، والحرّاس صاروا كالأموات، ومريم وقفت عند القبر طالبةً جسدك الطاهر، فسبيت الجحيم و لم تجّرب منها، وصادفت البتول مانحًا الحياة، فيا من قام من بين الأموات، يا رّب المجد لك. (طروبارية القيامة باللحن السادس).
- إن الملاك تفوّه نحو المُنعَمِ عليها (لاحظوا المُنعم عليها)، أيّتها العذراءُ النقيّة افرحي، وأيضًا أقول افرحي، لأن ابنك قد قام من القبر في اليوم الثالث.
- افرحي مع الرسل إذ قد عاينتِ ابنك وإلهك ناهضًا أيّتها النقيّة المنعم عليها من الله. (قانون أحد حاملات الطيب في الأودية الأولى).
كما يقول سنكسار أحد الفصح: "وأمرُ القيامة أوّلًا صار معروفًا عند والدة الإله..."
يستفيض القدّيس غريغوريوس بالاماس ويقول أن والدة الإله قد عرفت القيامة قبل النسوة والتلاميذ. وُينهي شرحه أن والدة الإله أتت مع مريم المجدليّة إلى القبر عند الزلزلة وليس بعدها (متى ١:٢٨)، وتمتّعت بنور القيامة، ويقول أنّه هناك فارق زمني غير مشار إليه في تسلسل الأحداث.
كما يقارن بين كلام الملاك في إنجيل متّى (٥:٢٨):"لا تخافا أنتما فإني أعلم أنّكما تطلبان يسوع المصلوب"، وكلام الملاك جبرائيل في إنجيل لوقا(٢٩:١) "لا تخافي يا مريم لأنّك قد وجدت نعمة عند الله" ليقول أن الملاك هو نفسه الذي بشّر والدة الإله أوّلًا بالحبل الإلهيّ وها اليوم يبشّرها بقيامة مولدها الإلهي، فكان من الطبيعي أن تفهم والدة الإله وحدها هذا الكلام قبل غيرها ودون الآخرين.
ويقف مذهولًا أمام ما حدث في اليوم الأوّل فيقول:
يفترق الإنجيليون فيما بينهم بالنسبة للساعة في السحر، كما وبالنسبة لعدد النسوة. هن كثيرات وجئن إلى القبر مرّات عدة سويّة وليس نفسهنّ.
يظهر يوحنا الإنجيلي (الإصحاح ٢٠) أن مريم المجدليّة أتت إلى القبر بمفردها ووجدت الحجر مدحرجًا فهرعت تخبر التلاميذ بأن هناك من أخذ الرّب، ومن ثم عادت وبكت خارج القبر، وبعدها لاقاها الرّب بعد مغادرة بطرس ويوحنا مكان القبر.
فيستنتج القدّيس بالاماس أن متى الإنجيليّ يجمع حدثين بحدث واحد، إذ كان همّه نقل فرح القيامة أوّلًا، وهذا يظهر جليًّا باختلاف عدد الملائكة التي ذكرها الإنجيليّون الأربعة في الأحداث القيامية.
خلاصة: كلّ هذا يدفعنا إلى مشهدٍ غريب عجيب يفوق الوصف حيث تجري الأحداث فيه بسرعة مهولة، إذ السماء أصبحت كلّها على الأرض، وملائكة الله يصعدون وينزلون. كيف لا والقيامة هزّت المسكونة جمعاء وما تزال.
أمّا بخصوص مريم أم يعقوب ويوسي:
يذكر كلّ من الآباء القدّيسين غريغوريورس النيصصي، يوحنا الذهبيّ الفم، إفسافيوس الإسكندري، أنستاطيوس السينائي، سمعان المترجم، غريغوريوس بالامس، نيقوديمس الآثوسي. أن مريم الأخرى (متى ٦١:٢٧ ومتى١:٢٨) ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي (مرقس ٤٠:١٥) هي والدة الإله مريم وقد ظهر لها الربّ القائم أوّلًا. ولكن طبعًا والدة الإله مريم بقيت عذراء، ويعقوب ويوسي هما أولاد يوسف خطيبها الأرمل من زواج سابق.
فنقرأ عند متى الإنجيلي:”ولما جاء (يسوع) الى وطنه كان يعلّمهم في مجمعهم حتى بُهتوا وقالوا: «من أين لهذا هذه الحكمة والقوّات؟ أليس هذا ابن النجّار؟ أليست أمّه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أوليست اخواته جميعهنّ عندنا؟ فمن اين لهذا هذه كلّها؟» (متى ٥٣:١٣-٥٦).
وأيضًا:”كانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهنّ كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدليّة ومريم أم يعقوب ويوسي وأم ابني زبدي“ (متى ٥٥:٢٧-٥٦)، ويتابع:”فأخذ يوسف الجسد ولفّه بكتّان نقي، ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة ثم دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر ومضى. وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر“ (متى ٩٥:٢٧-٦١)، وأيضًا يعود يذكرها:”بعد السبت عند فجر أوّل الأسبوع جاءت مريم المجدليّة ومريم الأخرى لتنظرا القبر“ (متى ١:٢٨).
كذلك مرقس الإنجيلي يقول:”كانت مريم المجدليّة ومريم أم يوسي تنظران أين وُضع“ (مرقس٤٧:١٥).
ملاحظة: يوسف ونيقوذيموس أسرعا ليدفنا جسد الرب يوم الجمعة لأن الفصح قد قرب لأن ذلك السبت كان عظيماً. ولئن كانا طيباه بالطيوب لكنه ليس كما يجب بل أنهما وضعا صبراً ومرّاً كثيراً فقط، وأدرجاه بالسباني ودفعاه إلى القبر. من هنا ابتعن النسوة طيوباً كثيرة الثمن وذهبن في الليل، من جهة خوفًا من اليهود ومن جهة ليتمّمن عادتهنّ ويطيّبنه ويكملّن ما كان ناقصاً وقت دفنه. فعند حضورهن أبصرن شاهدن ملاكين لامعين كالبرق داخل القبر وآخر جالساً فوق الحجر وبعد هذا عاينّ المسيح وسجدن له وأما المجدلية فظنته البستاني وسألته عن ذاته.